فيلم “الحرام” في مهرجان القاهرة السينمائي.. حكاية قاسية صنعتها كادرات عبقرية
قبل عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في برنامج كلاسيكيات السينما المصرية، نقدم إعادة مشاهدة فيلم “الحرام”، واحد من كلاسيكيات السينما المصرية من إخراج هنري بركات وإنتاج 1965 عن رواية الحرام للكاتب المصري يوسف إدريس.
يدور الفيلم حول عزيزة واحدة من عمال التراحيل، التي تتحمل مسؤولية الأسرة بعد عجز الزوج عن الحركة، وتذهب يومًا لتقتلع جدر بطاطا من الأرض، لكن يُعتدي عليها فتعمل وهي تحاول اخفاء الحمل ولكن تصيبها حمى النفاس بالهلاوس فتتسبب في موت الطفل الرضيع تحت نفس الشجرة التي شهدت ولادته.
لماذا يُعرض الفيلم مجددًا بعد كل هذه السنوات؟
يمتلك فيلم “الحرام” تكوينات بصرية لافتة وكادرات واقعية تكشف مأساة عمال التراحيل وعمق التفاوت الطبقي، فيما تتحول البيئة المحيطة من خلفية صامتة إلى عنصر فاعل يشارك في الحكاية. إليكم أبرز جمالياته السينمائية.
1 تكوين “العمق الامتدادي” (Deep Focus) وعزل الأفراد

يوظف بركات الكادرات شديدة الاتساع “Extreme Long Shots” ليظهر عمال التراحيل كنقاط صغيرة مبعثرة وسط مساحات زراعية شاسعة.
ومن خلال هذا التكوين، تتجسد ضآلة الفرد أمام سلطة الإقطاع، ويبدو العمال جماعات تجمعها المعاناة، لكنها تعيش عزلة قاسية يفرضها ثقل الحياة اليومية.
2 الخطوط الأفقية والعمودية (تكوين التباين الطبقي)

يرسم بركات العمال في خطوط أفقية ممتدة، سواء أثناء السير أو الانحناء لجمع القطن، لتجسد الصورة ارتباطهم بالأرض وثقل التعب والجمود.
في المقابل، تظهر السلطة في خطوط عمودية عبر شخصيات مثل الناظر والمأمور الممتطي حصانه، فتقطع امتدادات العمال المنحنية، وتكشف بصريًا تفاوت القوة والتراتبية الطبقية، دون الحاجة إلى حوار.
3 “العمق الميداني” (Deep Focus)

يضع بركات ممثلي السلطة في مقدمة الكادر “Foreground” فتبدو أجسادهم أكثر ضخامة وهيمنة، بينما يتراجع عمال التراحيل وأهل الكفر إلى الخلفية “Background” متجمعين في مشهد يكشف بصريًا اختلال موازين القوة، ويجسد التفاوت الطبقي وعلاقة المذلة والاستجداء.
4 الإضاءة والظلال (Chiaroscuro)

يوظف بركات الظلال والإضاءة الخافتة في المشاهد الداخلية، سواء داخل بيت عزيزة أو خلال مخاضها خلف شجرة الموز، ليمنح الصورة ثقلًا نفسيًا.
ومن خلال هذا التكوين، تتسلل مشاعر الخزي والخوف إلى الكادر، فيما تكشف العتمة ثقل السر الذي تخفيه عزيزة وصراعها الداخلي أمام مجتمع لا يرحم.
5 كادرات الحصار والـ Framing (التأطير داخل التأطير)

لا تبدو البيئة مجرد خلفية للأحداث؛ فجذوع الأشجار وفتحات الأبواب والنوافذ تتحول إلى أطر تحاصر الشخصيات بصريًا.
وعلى المستوى الرمزي، يعكس هذا التكوين سجنًا معنويًا تصنعه العادات والتقاليد والأفكار المخيفة والقوانين الصارمة، داخل مجتمع لا يرحم الضعف أو يغفر الخطأ.
6 حركة الكاميرا والـ Tracking Shots

يوظف المخرج حركة الكاميرا التتبعية “Tracking Shots” لمرافقة العمال وهم يغنون ويسيرون في صفوف طويلة، في مشهد يعيد إنتاج رتابة يومهم.
وهكذا، تتحول خطواتهم المتتابعة إلى رحلة عذاب لا تنتهي، كأنهم يدورون في ساقية لا تتوقف، محاصرين بدائرة العمل والمشقة.
7 الـClose-ups والألم المتماهي

تُحاصر الأشجار والخطوط الرأسية جسد عزيزة في مشهد الاعتداء أو بحثها عن جذور البطاطا، بينما تضيق الكادرات تدريجيًا، لتضعنا وجهًا لوجه أمام شحنة الألم والصراع النفسي المنعكسة على ملامحها.
وفي المقابل، تأتي لحظة المخاض والولادة سرًا تحت شجرة الموز بتكوين بصري لافت؛ إذ يدمج المخرج جسد عزيزة النحيل بجذع الشجرة، في صورة تختصر التصاقها بالأرض ووحدتها أمام قسوة الريف وأحكامه.